مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
89
شرح فصوص الحكم
لا من اللّه وإن اللّه ما فعل بنا إلا ما نحن نفعل بأنفسنا ( قال اللّه تعالى : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] يعني على المحجوبين ) الذين لم ينكشف لهم ما انكشف للعارفين في الدار الدنيا ( إذا قالوا للحق لم فعلت بنا كذا وكذا مما لا يوافق أغراضهم فيكشف ) الحق ( لهم عن ساق ) إشارة إلى قوله تعالى : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [ القلم : 42 ] وساق ) الأمر أصله ونهايته ( وهو ) أي الكشف عن ساق في الآخرة ( الأمر الذي كشفه العارفون هنا ) وتحقق به ( فيرون ) المحجوبون عند كشف الحق لهم عن ساق الأمر ( أن الحق ما فعل بهم إلا ما ) أي الذي ( ادّعوه ) في حال حجابهم ( أنه ) أي الحق ( فعله ) أي فعل ما ادّعوه وهو قولهم : لم فعلت بنا كذا وكذا ( و ) يرون ( أن ذلك ) الفعل الذي أسندوه للحق صدر ( منهم ) لا من اللّه ( فإنه ) أي الحق ( ما علمهم إلا على ما هم عليه ) وما فعلهم إلا ما علمه منهم ( فتندحض ) أي تبطل ( حجتهم وتبقى الحجة للَّه ) تعالى ( البالغة ) على المحجوبين ( فإن قلت : فما فائدة قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ النحل : 9 ] يعني إذا كان الحكم علينا منا لا من اللّه فما معنى تعلق المشيئة إلى هداية الكل في قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( قلنا ) في بيان فائدة هذا الكلام ( أن لو حرف امتناع لامتناع ) أي حرف موضوع لامتناع الشيء لامتناع غيره فامتناع هداية الكل إنما كان لامتناع تعلق المشيئة إليها وإنما امتنع تعلق المشيئة إلى هداية الكل لأن تعلق المشيئة تابع لتعلق العلم والعلم تابع للمعلوم فما علم اللّه إلا على ما هو الأمر عليه ( فما شاء إلا ما هو الأمر عليه ) فلو كانت الأعيان الثابتة كلها طالبة من اللّه الهداية لشاء هداية الكل لهداهم كلهم فكانت هداية الكل ممتنعة في نفس الأمر لأنه لا إمكان لها ولا تعلق للمشيئة بالممتنع وأما عند العقل فلا امتناع وإليه أشار بقوله : ( ولكن عين الممكن ) لإمكانه ( قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل ) فأمكن عند العقل هداية عين كل ممكن لأن العقل قاصر عن إدراك الشيء على ما هو عليه فجاز أن يكون الشيء الواحد ممتنعا في نفسه وممكنا عند العقل ( وأيّ الحكمين المعقولين ) من الهداية وعدمه ( وقع ذلك ) الحكم المعقول ( هو الذي كان عليه الممكن في حال ثبوته ) فلا يمكن الهداية أي الإيمان بالرسل في استعداد كل أحد فلا يشاء إيمانه ولو أمكن إيمانه في نفسه لشاءه فحصل له الإيمان . ولما حقق الآية على التفسير شرع تأويلها وتطبيقها بما ذكر من حاصل الكشفين بقوله : ( ومعنى لَهَداكُمْ ليبين لكم ) أجمعين ما هو الأمر عليه كما بين لبعضكم لاقتضاء استعداد ذلك البعض بيان الأمر على ما هو عليه ( وما ) أي ليس ( كل ممكن من العالم فتح اللّه عين بصيرته لإدراك الأمر في نفسه على ما هو ) الأمر ( عليه ) لأن منهم يقتضي ذلك الفتح فتح اللّه له ومنهم من يقتضي عدم الفتح فلم يفتح اللّه له ( فمنهم العالم ) حقيقة الأمر على ما هو عليه بفتح اللّه عين بصيرته ( و ) منهم ( الجاهل ) حقيقة الأمر على ما هو عليه بعدم فتح اللّه عين بصيرته فإذا لم يفتح عين بصيرة كل ممكن ( فما شاء ) هداية الكل